الجميع يريد حياة أفضل تحترم فيها آدمية الإنسان وكرامته ، حتى الظلمة والطغاة يتمنون تحقيقها لأبناء وطنهم وأن يعيشها أولادهم فلذات أكبادهم ومع هذا فكلهم يفشلون ، نراهم وهم يناصرون حركات التحرر في بلاد الأرض الأخرى يساندونها ماديا ومعنويا ، و يفشلون في تحقيق مستوى ولو بسيط من تحرر لإنسانها في وطنهم ، ولعل السبب يعود الى عدم معرفتهم في كيفية إحداث ما يريدون وفي عدم إمكانية تعلم ما يريدون وربما لأسباب شخصية ونفسية خاصة بهم .
كان موعد الزيارة قد اقترب وعلي الاستعداد للسفر لطرابلس لقضاء ساعة او أكثر مع أخي نزار في سجنه ، لم تكن الرحلة التي تواترت لأكثر من خمس سنوات بالمريحة في أي مرحلة من مراحلها فالسفر باكرا والعودة متأخرة وبينهما معاناة وألم ، فأخ السجين السياسي دائما محل شك وريبة من عيون الدولة ومخبريها حتى سائق سيارة الأجرة عندما تخبره بأن وجهتك سجن بوسليم تراه عدل في جلسته واهتم بك وبما تقول ، ولا يمنع ذلك نظرات الحسرة والأسف التي تراها في عيون الأهل والأصدقاء ، لو لم يفعل نزار ما فعل ؟ ، حرام لقد أضاع زهرة شبابه لقد حرم زوجته وأولاده متعة العيش كعائلة ، ليكن الله في عونك يا سامي لقد زاد حملك ومسئولياتك ، لم يكن نزار وحيدا في ذلك السجن اللعين فالشباب في زنزاناته كثر كما أنه لم يكن الأول في أسرتنا الذي يدخل سجنا سياسيا في نظام العقيد ، فدخله قبله والدنا رحمه الله والذي أجبر على ملاقاة وجه ربه في منفاه ، ولأسباب أدركها الجميع ألان وجاهروا بإعلانها للعالم دون خوف او تردد بعد انتصار هذه الثورة .
كان الرأي أن يكون موعد السفر للزيارة يوم الثلاثاء 15/2/2011 بعد أن اقضي مناسبة المولد النبوي مع الأسرة ، ولكنني تلقيت يوم السبت مكالمة هاتفية لم اعرف مصدرها استفسر مني المتصل عما إذا كنت أخ نزار صالح السنوسي ؟ فقلت نعم ، قال بأنني وبعض الشباب من أهل مساجين بوسليم المحكومين بالبراءة نريد أن نتواجد يوم الاثنين 14/2 أمام السجن للمطالبة بإطلاق سراح أبنائنا وأرجو أن تحضر ، كان الطلب غريبا صحيح أن الثورتان في تونس ومصر نجحتا في الإطاحة بأنظمة الحكم الدكتاتورية بها وأصبحت شعوبها حرة ، ولكننا في ليبيا مزرعة القذافي وكلابه الدموية هل من الممكن أن نعتصم أمام سجن بوسليم للمطالبة بإخلاء سبيل أبناءنا في ذكرى المولد النبوي ، الأمر كان يبدو مستحيلا ولكن موعد السفر كان 15/2 فلماذا لا يكون 14/ 2 ؟ ومن الممكن تناول العصيدة بعد عصر الأحد 13/2 وهذا سيتطلب ترتيبا مع زوجتي العزيزة ، فرح الصغار بتناول العصيدة يوم الأحد كوجبة إضافية فهم يدركون أن وجبة الاثنين هي وجبة مضمونة سيحصلون عليها في حينه .
على عكس رحلات الخطوط الليبية كانت الرحلة ذهابا وعودة كما حددت بجدولها ، وصلت مطار طرابلس الساعة التاسعة صباحا أخذت تاكسي ليرمقني السائق بنظرات مريبة رأيتها سريعا في عيونه بعد أن عرف أن وجهته سجن بوسليم ، ثم اخذ يتحدث عن المطر وكيف الحال في بنغازي ؟ مطر وبرد وأمل …
كانت الساعة التاسعة والثلث عندما وصلنا لبوابة السجن ، نزلت نظرت حولي عسى أن أجد احد من أهالي السجناء الذين يريدون المطالبة بإخلاء سبيل أبنائهم ، لم يكن هناك احد ، كان المطر ينهمر وكنت وحيدا أمام السجن وحيدا في بوم عطلة يعلم الجميع وأنا منهم أن الزيارة ممنوعة فيه ،احتميت بشجرات من قطرات المطر انتظر قدوم رفاق الهاتف ولكن هل سيأتي منهم احد ؟
لم يمنحني حراس السجن كثيرا من الوقت فجاءني احدهم ليس هناك زيارة اليوم ، تعال بكرة .
كنت اعرف ذلك فقد رتبت أموري على أن الرحلة قد تستغرق يوما أضافيا ، ولكن أين من اتفقت معهم من أهالي السجناء ، هل أعود غدا في زيارة عادية ثم أعود لبنغازي وينتهي الموضوع بسهولة ، أم انتظر لعلهم يأتون وكيف أرد على تلك الكلاب الضارية التي تنظر لي من كل مكان ، تظاهرت بأنني ذاهب وأنني ابحث عن تاكسي والطبيعي أن تقل بسبب عطلة المولد النبوي وهي نادرة في تلك المنطقة على أي حال ، كان ذلك عذرا جيدا إذا سألني احدهم لماذا ما زلت هنا ؟، اتصلت بصديقي وسألته أين انتم لماذا تأخرتم ؟ أنا ألان في المستشفى فالوالد بحاجة لتغيير ضماداته ولقد استغرقت الرحلة يومان من اجدابيا دون متابعة طبية للوالد وسأكون معك بعد قليل ، ارتحت كثيرا برده فسيكون احدهم معي بعد قليل للرد على هذه الكلاب الضارية ، وفكرة أن أبوه المريض برفقته أراحتني أكثر .
استمريت في التظاهر بانتظار سيارة التاكسي ، وها هي أحداها تقترب ما العمل هل أشير لها فتقف فاستقلها وأغادر المشهد ، لقد بدأت اندمج بالعملية ولكن يجب أن أحاول إيقاف السيارة حتى تطمئن تلك الضواري أنني فعلا أريد الذهاب ، لعلها المرة الأولى والأخيرة التي سأنادي على تاكسي وأتمنى أن لا يقف لي ، انتظرت وقوفه ولكنه لم يقف ، كان شابا مستعجلا لم يكلف نفسه عناء النظر لي وكأنه لا يرى سوى عصيدة أمه .
ارتحت قليلا أخرجت هاتفي النقال لأجري مكالمات لا معنى لها لا اذكر لمن و أنا انتظر مرور تاكسي أخر فما زالت تلك الكلاب تنظر ، وأثناء ذلك خرج صبي لا يتجاوز عمره 14 سنة من احد المساكن الشعبية المطلة على بوابة السجن حاملا صينية واضح أنها عصيدة لحراس السجن ، ماذا لو غلبت أخلاق الخيمة التي ينادون بها ويدعونني لتناول شئ منها معهم ، ولكن لا مكان لي معهم فهؤلاء لم يعتادوا مشاركة احد .
دقائق قليلة ووصلت سيارة بها شباب وبشكل طبيعي ودون مقدمات ، فقط سلامات وانزلوا البريموس و بدأو في إعداد الشاي فهو خط احمر لا يمكن حتى لسجن بوسليم وكلابه الضارية منعهم إياه ، ترجل احدهم الى محل قريب لشراء خبز وجبن ، بالنسبة للشباب كان الشاي والخبز الوجبة الأولى لذلك اليوم بعد سفر طويل فقد تكون رحلة العودة الطويلة قريبة ، وبالنسبة لي لم تكن الوجبة سوى عملية ميكانيكية تستهلك المزيد من الوقت لحين اكتمال القادمين ، بعدها كان الحديث من أين أنت ومن السجين وماذا نريد من القدوم اليوم وكم من الأهالي سيأتي .
قبل أن نشرب شيئا من الشاي كانت أعداد أخرى قد ظهرت ووصل من اتصل بي وأبيه المريض ، المشهد كان محزن وكئيب شباب وشيبا ، أباء وأخوة وأبناء يصل عددهم الى عشرين كلهم يقفون أمام بوابة سجن بو سليم سجن قضى فيه أكثر من ألف ومئتان سجين بدم بارد لا لسبب إلا للمطالبة بتحسين ظروف سجنهم .
لم يكن من بيننا من هو خائف او متردد فما قطعنا كل تلك المسافة وأغلبهم بسيارته الخاصة في رحلة استغرقت لأكثر من نصف يوم لنتوقف قبل إتمام ما جئنا من اجله ، كلما ظهر قادم جديد ازددنا حماسة وارتسمت بسمات على الوجوه .
اكتظ المكان الضيق بالسيارات ، لم يكن هناك مكان لقضاء الحاجة فلم تعر دولة العقيد ذلك أي اهتمام فزوار السجناء عليهم الانتظار لساعات ودون خدمات لزيارة قد تأتي وقد تموت ولكن ليبيا لها رجالها فكل يوم يقوم جار السجن بفتح بيته لزوار بوسليم الذين قد ينتظرون لساعات وساعات قبل ان يسمح لهم بالدخول لزيارة أبناءهم وأحبتهم ، عائلات وشباب وأطفال رضع فالكل بحاجة لقضاء حاجته بعيدا عن عيون الكلاب الضارية .
ولكن ذلك اليوم كان مختلفا فأحداث تونس ومصر لم تكن بعيدة والكل شعر بالمد والحراك العربي نحو الحرية ، فلم يجرؤ احد من حراس السجن على التعرض لنا ولم يخشى الرجل الكريم احد ففتح لنا بيته وأكرمنا بالقهوة والشاي وصحون المعمول وجلس معنا يناقشنا فيما نقوم به " معاكم الحق فما دام براءة ليش ماسكينهم " ويذكرنا بين الحين والأخر ب






















